ابن الجوزي
129
صيد الخاطر
التذاذه يقف بإزائه علم التحريم ، وحذر العقوبة فان قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي ، فيتنغص عيشه في حال التذاذه ، فان غلب سكر الهوى كان القلب متنغصا بهذه المراقبات ، وان كان الطبع في شهوته وما هي الا لحظة ، ثم خذ من غريم ندم ملازم ، وبكاء متواصل ، وأسف على ما كان طول الزمان ، حتى أنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذر العتاب ، فأفّ للذنوب وما أقبح آثارها ، وما أسوأ أخبارها ، ولا كانت شهوة لا تنال الا بمقدار قوة الغفلة . 82 - حق البدن بكرت يوما أطلب الخلوة إلى جامع الرصافة . فجعلت أجول وحدي وأتفكر في ذلك المكان ومن كان به من العلماء والصالحين ، ورأيت أقواما قد جاوروا فيه فسألت أحدهم : منذ كم أنت هنا ؟ فأومأ إلى قريب من أربعين سنة ، فرأيته في بيت كثير الدرن والوسخ وجعلت أتفكر في حبسه لنفسه عن النكاح هذه المدة . فأخذت النفس تحسن ذلك ، وتذم الدنيا والاعتزاز بها ، فأقبل العلم ينكر على النفس ، ونهض الفهم لحقائق الأمور ، وموضوع الشرع يقوي ما قال العلم فينحل من ذلك أن قلت للنفس : اعلمي أن هؤلاء على ضربين : منهم من يجاهد نفسه في الصبر على هذه الأحوال فتفوته فضائل المخالطة لأهل العلم والعمل وطلب الولد ، ونفع الخلق ، وانتفاع نفسه بمجالسة أهل الفهم ، فيحدث له من نفسه حالة تشابه فيها الوحش ، فيؤثر الانفراد لنفس الانفراد وربما حبس الطبع ، وساء الخلق ، وربما حدث من حبس مائه المحتقن سمّيّة أفسدت بدنه وعقله ، وربما أورثته الخلوة وسوسة ، وربما ظن أنه من الأولياء واستغنى بما يعرفه ، وربما خيل له الشيطان أشياء من الخيالات وهو يعدها كرامات ، وربما ظن أن الذي هو فيه الغاية ولا يدري أنه إلى الكراهة أقرب ، فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : نهى أن يبيت الرجل وحده ، وهؤلاء كل منهم يبيت وحده ، ونهى عن التبتل وهذا تبتل ، ونهى عن الرهبانية وهذا من خفي خدع إبليس التي يوقع بها في ورطات الضلال بألطف وجه وأخفاه . والضرب الثاني : مشايخ قد فنوا فانقطعوا ضرورة ، إذ ليس لأحدهم مأوى فهم في مقام الزّمنى ، وإن كان الضرب الأول قطعوا حبل نفوسهم في العلم والعمل